في الفترة الأخيرة تزايد الحديث عن وجود وبائية فيروسية تضرب قطعان الدواجن في مصر، والحقيقة أن ما نشهده ليس ظهور مرض جديد بقدر ما هو تصاعد في حدة وتأثير بعض الفيروسات المتوطنة نتيجة تغيرات في العترات المنتشرة، إلى جانب تحديات مرتبطة بالإدارة والتحصين والأمن الحيوي. صناعة الدواجن بطبيعتها صناعة ديناميكية، والفيروسات تتطور باستمرار، ما يفرض علينا تحديث أدوات المواجهة بنفس السرعة.
من أبرز التحديات الحالية استمرار نشاط إنفلونزا الطيور خاصة بعض عترات H9 التي أصبحت أكثر تأثيرًا عند اقترانها بعدوى بكتيرية أو فيروسية أخرى، بالإضافة إلى مرض نيوكاسل الذي لا يزال يمثل ضغطًا مرضيًا واضحًا بسبب التحورات الجينية واختلاف بعض العترات الحقلية عن سلالات اللقاحات التقليدية. كذلك يلعب مرض الجمبورو دورًا محوريًا في إضعاف الجهاز المناعي، مما يمهد الطريق لعدوى مركبة تزيد من شدة الأعراض وترفع نسب النفوق. ولا يمكن إغفال تأثير مرض الالتهاب الشعبي المعدي لما يسببه من مشكلات تنفسية وتأثير مباشر على الأداء الإنتاجي والتحويل الغذائي.
تحليل المشهد يشير إلى أن المشكلة ليست في وجود الفيروس فقط، بل في مجموعة عوامل متداخلة تشمل: فجوات في برامج التحصين، ضعف الالتزام الصارم بإجراءات الأمن الحيوي، كثافة التربية المرتفعة في بعض المناطق، حركة العمالة والمعدات بين المزارع، إضافة إلى الضغوط البيئية والتغيرات المناخية التي تؤثر سلبًا على مناعة الطيور. كما أن العدوى المشتركة أصبحت سمة واضحة في كثير من الحالات الحقلية، وهو ما يفسر اختلاف شدة الإصابة بين قطيع وآخر رغم تطبيق برامج متشابهة ظاهريًا.
الحل لا يكمن في زيادة عدد اللقاحات بقدر ما يكمن في دقة اختيارها وتوقيت استخدامها. المطلوب هو برنامج تحصين مبني على رصد حقيقي للعترات المنتشرة ميدانيًا، مع ضبط طرق الإعطاء وجودة مياه التحصين، والتأكد من تحقيق استجابة مناعية فعلية. إلى جانب ذلك، يجب تطبيق مفهوم الأمن الحيوي الشامل، بداية من التحكم في الدخول والخروج، مرورًا بالتطهير الفعال، وانتهاءً بإدارة الكثافة والتهوية ودرجات الحرارة لتقليل الإجهاد المناعي. كما أن تحسين جودة العليقة وخلوها من السموم الفطرية عنصر أساسي لدعم كفاءة الجهاز المناعي.
في النهاية، الفيروسات جزء دائم من صناعة الدواجن، لكنها ليست قدرًا محتومًا. الإدارة العلمية المتكاملة القائمة على التحصين الدقيق، والأمن الحيوي الصارم، والمتابعة الميدانية المستمرة، هي الضمان الحقيقي لاستقرار الإنتاج وتقليل الخسائر. التحدي موجود، لكن القدرة على السيطرة عليه موجودة أيضًا إذا أُدير الملف باحترافية تعتمد على العلم والخبرة الميدانية.